النووي
56
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
فَرْعٌ إِذَا لُقِّنَ كَلِمَةَ الطَّلَاقِ بِلُغَةٍ لَا يَعْرِفُهَا ، فَقَالَهَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ . قَالَ الْمُتَوَلِّي : هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعَ أَهْلِ ذَلِكَ اللِّسَانِ اخْتِلَاطٌ . فَإِنْ كَانَ ، لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْحُكْمِ وَيُدَيَّنُ بَاطِنًا . وَإِذَا لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ فَقَالَ : أَرَدْتُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ مَعْنَاهَا بِالْعَرَبِيَّةِ ، لَمْ يَقَعْ عَلَى الْأَصَحِّ . وَلَوْ قَالَ : لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ مَعْنَاهَا قَطْعُ النِّكَاحِ ، وَلَكِنْ نَوَيْتُ بِهَا الطَّلَاقَ ، وَقَصَدْتُ قَطْعَ النِّكَاحِ ، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ ، كَمَا لَوْ خَاطَبَهَا بِكَلِمَةٍ لَا مَعْنًى لَهَا ، وَقَالَ : أَرَدْتُ الطَّلَاقَ . السَّبَبُ الثَّانِي : الْإِكْرَاهُ . التَّصَرُّفَاتُ الْقَوْلِيَّةُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا بِالْإِكْرَاهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، بَاطِلَةٌ سَوَاءٌ الرِّدَّةُ وَالْبَيْعُ ، وَسَائِرُ الْمُعَامَلَاتِ وَالنِّكَاحُ ، وَالطَّلَاقُ وَالْإِعْتَاقُ وَغَيْرُهَا ، وَأَمَّا مَا حُمِلَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ ، فَهُوَ صَحِيحٌ ، فَيَحْصُلُ مِنْ هَذَا أَنَّ إِسْلَامَ الْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ مَعَ الْإِكْرَاهِ ، صَحِيحٌ ، لِأَنَّهُ بِحَقٍّ ، وَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُ الذِّمِّيِّ مُكْرَهَا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَالْمُؤْلِي بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ إِذَا أَطْلَقَ بِإِكْرَاهِ الْقَاضِي ، نَفَذَ لِأَنَّهُ بِحَقٍّ ، أَوْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَقِيقَةِ إِكْرَاهٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الطَّلَاقُ . قَالَ الْمُتَوَلِّي : هَذَا فِي الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَأَمَّا إِذَا أَكْرَهَهُ الْإِمَامُ عَلَى ثَلَاثِ طَلَقَاتٍ فَتَلَفَّظَ بِهَا ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ ، وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَلَغَتِ الزِّيَادَةُ . وَإِنْ قُلْنَا : يَنْعَزِلُ ، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ غَيْرُهُ ، وَثَبَتَ التَّحْرِيمُ بِالرَّضَاعِ مَعَ الْإِكْرَاهِ ، وَفِي امْتِنَاعِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الزِّنَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ بِالْإِكْرَاهِ خِلَافٌ فِي مَوْضِعِهِ . فَصْلٌ إِنَّمَا يَنْدَفِعُ الطَّلَاقُ بِالْإِكْرَاهِ ، إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ . فَإِنْ ظَهَرَ بِأَنْ خَالَفَ الْمُكْرَهَ ، وَأَتَى بِغَيْرِ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ ، حُكِمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ، وَلِذَلِكَ